كتّاب المحبّة
"في خدمة إخوتنا نلتقي بالمسيح الملك"
تدعونا قراءات هذا الأحد إلى التأمّل في أمانتنا لله، وفي الطريقة التي نترجم بها إيماننا إلى حياة. فالله، الذي يعرف كلّ واحد منّا، يعرف مواهبه وقدراته، كما يعرف ضعفه وحدوده، ويأتمنه على عطايا مختلفة، وينتظر منه أن يجعلها مصدر خير للآخرين. ومن هنا نستطيع أن نستضيء بمثل الوزنات، حيث أعطى السيّد كلّ واحد بحسب طاقته، وانتظر منه أن يكون أمينًا لما تسلّمه. أمّا إنجيل اليوم، فيكشف لنا أين تظهر ثمرة هذه الأمانة: في المحبّة التي نبديها تجاه إخوتنا، ولا سيّما الفقراء والمتألّمين والمحتاجين.
١-أيّوب ونور الله الذي يتحوّل إلى عطاء.
يقول أيّوب: "ليتني أعود إلى شهور الماضي، إلى الأيّام التي كان الله يحرسني فيها، حين كان مصباحه يضيء فوق رأسي، ونوره يهديني في الظلمات".
إنّه كلام إنسان اختبر الألم والظلمة، لكنّه لم ينسَ نور الله الذي رافقه في الماضي. فأيّوب لا ينكر معاناته، ولا يتظاهر بأنّ كلّ شيء على ما يرام، بل يستعيد ذكرى النعمة لكي يحافظ على رجائه. وهكذا يعلّمنا أنّ الإيمان لا يعني ألّا نمرّ في أوقات صعبة، بل أن نثق بأنّ الله يبقى أمينًا لنا حتى عندما نعجز عن إدراك حضوره.
لكنّ أيّوب، وهو يتذكّر أيّام الخير، لا يتحدّث فقط عمّا ناله من الله، بل يذكر أيضًا ما فعله من أجل الآخرين، فيقول: "كنت أنقذ الفقير المستغيث… وكنت عيونًا للأعمى وأقدامًا للأعرج".
هنا نكتشف أنّ نور الله لم يبقَ محصورًا في قلب أيّوب، بل تحوّل إلى رحمة وخدمة. لقد جعل من عطايا الله وسيلة لمساندة الضعفاء والدفاع عن المظلومين. وهذه هي الأمانة التي يطلبها الربّ منّا: ألّا نحتفظ بما نلناه لأنفسنا، بل أن نجعله عطيّة للآخرين.
فالوزنة التي يأتمننا الله عليها قد تكون موهبة، أو معرفة، أو وقتًا، أو مسؤوليّة، أو قدرة على الإصغاء والمساعدة والمصالحة. وقد تكون أيضًا إيمانًا نلناه في المعموديّة، ودعوةً إلى أن نشهد للمسيح في حياتنا اليوميّة. ولا يطلب الله منّا أن نكون مثل الآخرين، بل أن نكون أمناء لما أعطانا، كلّ بحسب طاقته وظروفه.
وقد أكّد البابا بندكتس السادس عشر، في رسالته العامّة الله محبّة، أنّ المحبّة ليست مجرّد شعور، بل هي استجابة عمليّة لحبّ الله الذي سبقنا وأحبّنا أوّلًا. فالإنسان الذي يختبر محبّة الله مدعوّ إلى أن يجعلها حاضرة في علاقته بالآخرين.
لذلك، لا يسألنا الربّ كم نملك مقارنةً بغيرنا، بل ماذا نفعل بما نملك. قد لا نستطيع أن نحلّ مشكلات الناس جميعًا، لكنّنا نستطيع أن نرافق المتألّم، ونزور المريض، ونساعد المحتاج، ونمنح اليائس كلمة رجاء. فالأمانة لله تبدأ عندما تتحوّل النعمة التي نلناها منه إلى محبّة في حياة إخوتنا.
٢-بولس والطريق الذي تغلب فيه المحبّة الشرّ.
ينقلنا القدّيس بولس من التأمّل في نعمة الله إلى الحياة العمليّة، فيقول: «لتكن محبّتكم بلا رياء»، ثمّ يوصينا بأن نكون «فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة». ويبلغ تعليمه ذروته حين يقول: "لا يغلبنك الشرّ، بل اغلب الشرّ بالخير".
إنّ المحبّة التي يتحدّث عنها بولس ليست كلامًا جميلًا ولا شعورًا عابرًا، بل هي أسلوب حياة يظهر في تصرّفاتنا ومواقفنا. إنّها أن نغفر لمن أساء إلينا، وأن نساعد من يحتاج إلينا، وأن نحتمل ضعف الآخرين، وأن نسعى إلى المصالحة بدل الخصام، وأن نرفض الردّ على الإساءة بإساءة أخرى.
وهذا ليس أمرًا سهلًا. فعندما نتألّم، نميل إلى الانتقام، وعندما نتعرّض للظلم، نرغب في ردّ الظلم بمثله. لكنّ بولس يدعونا إلى طريق آخر، هو طريق المسيح الذي غلب الشرّ لا بالعنف، بل بالمحبّة والغفران. فعلى الصليب، صلّى يسوع من أجل الذين أساؤوا إليه، وفتح أمامنا طريق المصالحة مع الله ومع الإنسان.
وفي تعليمه عن الرحمة، دعا البابا فرنسيس الكنيسة إلى الاقتراب من جراح الإنسان وعدم الاكتفاء بالنظر إلى ألمه من بعيد. فالرحمة المسيحيّة لا تكتفي بالتعاطف، بل تدفعنا إلى المبادرة، وإلى مدّ اليد، وإلى مرافقة الإنسان في ضعفه وحاجته.
وهنا نفهم معنى الأمانة للعطيّة التي نلناها. فالموهبة لا تُثمر إن بقيت حبيسة صاحبها، والإيمان لا ينضج إن لم يغيّر طريقة تعاملنا مع الناس، والصلاة لا تؤتي ثمارها في حياتنا إن لم تجعلنا أكثر رحمة وتواضعًا واستعدادًا للخدمة.
وقد تكون الوزنة التي أعطانا الله إيّاها قدرتنا على الإصغاء إلى إنسان وحيد، أو استعدادنا لمسامحة شخص جرحنا، أو أمانتنا في عملنا، أو سخاؤنا مع المحتاج. وقد تكون قدرتنا على حفظ السلام داخل العائلة، أو على الدفاع عن كرامة إنسان يتعرّض للإهانة.
لا يريد الله منّا أن نصنع أعمالًا عظيمة في نظر الناس، بل أن نكون أمناء في الأعمال التي يضعها أمامنا كلّ يوم. فالأمانة تظهر عندما نختار الخير بدل الشرّ، والغفران بدل الانتقام، والمصالحة بدل القطيعة، والمحبّة بدل اللامبالاة.
وهكذا تصبح حياتنا شهادةً للمسيح، لا بالكلام وحده، بل بالأعمال التي تكشف حضوره فينا.
٣-في الإنسان المتألّم نلتقي بالمسيح.
يصل بنا إنجيل متّى إلى مشهد الدينونة الأخيرة، حيث يقول الملك للذين عن يمينه: "كنت جائعًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني، وغريبًا فآويتموني، ومريضًا فزرتموني"
وحين يسأله الأبرار: «يا ربّ، متى رأيناك؟»، يجيبهم: "كلّما صنعتم شيئًا من ذلك لأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فلي صنعتموه"
بهذه الكلمات يكشف يسوع حقيقة مدهشة: إنّ المحبّة التي نقدّمها للإنسان المحتاج هي محبّة نقدّمها له شخصيًّا. فالربّ لا يفصل علاقتنا به عن علاقتنا بإخوتنا، ولا يسمح لنا بأن نحصر إيماننا في الصلاة والعبادة من دون أن نرى الإنسان المتألّم أمامنا.
وهنا تلتقي القراءات الثلاث في رسالة واحدة. فأيّوب يجعل من نور الله عونًا للفقير والضعيف، وبولس يدعونا إلى محبّة صادقة تغلب الشرّ بالخير، ويسوع يعلن أنّه حاضر في الجائع والعطشان والغريب والمريض. وهكذا تصبح الأمانة لله محبّةً ملموسة، ويصبح الإيمان شهادةً حيّة في العالم.
وقد شدّد القدّيس يوحنّا الذهبي الفم على مسؤوليّتنا تجاه الفقراء، محذّرًا من أن نكرّم المسيح في العبادة ثمّ نتجاهله في الإنسان المحتاج. فالمسيح الذي نلتقيه على المذبح يدعونا إلى أن نتعرّف إلى صورته في أخينا، وأن نترجم مشاركتنا في الإفخارستيّا إلى حياة من العطاء والرحمة.
وفي هذا السياق، يؤكّد البابا لاون الرابع عشر، في دعوته إلى كنيسة قريبة من الإنسان، أهميّة أن تبقى رسالة الكنيسة متجذّرة في الإنجيل، وأن تظهر محبّة المسيح في خدمة المحتاجين، وفي بناء السلام والوحدة، وفي صون كرامة كلّ إنسان. فالشهادة المسيحيّة لا تكتمل بالكلام عن المحبّة، بل تتحقّق عندما تصبح المحبّة فعلًا يغيّر حياة الآخرين.
-إنّ هذا الإنجيل يدعونا إلى فحص ضمير صادق. فليس السؤال فقط إن كنّا قد صلّينا أو شاركنا في القدّاس، بل إن كنّا قد سمحنا لكلمة الله بأن تغيّر حياتنا. وليس السؤال كم أعطانا الربّ، بل إن كنّا قد استعملنا عطاياه لخدمة إخوتنا.
قد لا نستطيع أن نطعم جميع الجائعين، لكنّنا نستطيع أن نساعد من نلتقيه. وقد لا نستطيع أن نزيل آلام العالم كلّها، لكنّنا نستطيع أن نخفّف ألم إنسان واحد. وقد لا نستطيع أن نغيّر قلوب الناس جميعًا، لكنّنا نستطيع أن نبدأ بتغيير قلوبنا، فنغفر، ونصالح، ونخدم، ونفتح أبوابنا للمحتاجين.
لذلك، لا تدعونا كلمة الله اليوم إلى الخوف، بل إلى التوبة وتجديد الحياة. إنّها تدعونا إلى ألّا ندفن إيماننا، ولا مواهبنا، ولا قدرتنا على المحبّة، بل أن نجعلها جميعًا في خدمة ملكوت الله.
فلنطلب من الربّ أن يمنحنا نور أيّوب، لكي نحافظ على الرجاء في أوقات الظلمة؛ وقلب بولس، لكي نحبّ بلا رياء ونغلب الشرّ بالخير؛ وعين المسيح، لكي نتعرّف إلى حضوره في كلّ إنسان يحتاج إلينا.
لنخرج من هذا القدّاس بعزم صادق: أن نكون أمناء لما أعطانا الله، وأن نحوّل إيماننا إلى محبّة، ومحبّتنا إلى خدمة، وخدمتنا إلى شهادة حيّة للمسيح.
وعندما نقف يومًا أمام الربّ، ليتنا نكتشف أنّ ما أعطانا إيّاه لم يبقَ مدفونًا في حياتنا، بل صار عطاءً ورحمةً وفرحًا في حياة إخوتنا، فنسمع صوته يقول لنا:
"تعالوا، يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم" (متّى 25: 34).
آمين
الخوري جوني التنوري
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه